الشيخ محمد علي طه الدرة
6
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الْحَيُّ أي : الذي لا يموت أبدا . الْقَيُّومُ أي : بغيره . فجميع الموجودات مفتقرة إليه ، وهو غنيّ عنها ، ولا قوام لها بدون أمره . وهما اسمان من أسماء اللّه الحسنى . وأصل الْحَيُّ : الحيي بياءين متحركتين . فسكنت الأولى ، ثم أدغمت في الثانية ، وأصل الْقَيُّومُ : القيووم ؛ لأنه من قام بالأمر ، يقوم ، فاجتمعت الواو ، والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، قال الشّاعر : إنّما العرش للّذي يرزق النّا * س وحيّ عليهم قيّوم هذا ؛ و الْقَيُّومُ : القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق ، ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم ، ومعادهم . نبيه : قال المفسّرون ، وأصحاب السّير : أنزلت هذه الآية في وفد نجران ، وكانوا ستين راكبا ، قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، وهم : العاقب : واسمه : عبد المسيح ، وهو أميرهم ، وصاحب مشورتهم ؛ الذي لا يصدرون إلا عن رأيه . والسّيد ، واسمه : الأيهم ، وهو عالمهم القائم بمالهم ، وصاحب رحلهم ، الذي يقوم بأمر طعامهم ، وشرابهم . وأبو حارثة بن علقمة ، وهو أسقفّهم ، وحبرهم ، وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه ، واجتهاده في دينه . فدخلوا مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين يصلّي العصر ، وعليهم ثياب الحبرات ؛ جبب ، وأردية ، يقول من رآهم من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا للصلاة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « دعوهم » . فصلّوا إلى المشرق . فلمّا فرغوا كلّم السيد ، والعاقب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسلما » . قالا : أسلمنا قبلك ، قال : « كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما للّه ولدا ، وعبادتكما الصّليب ، وأكلكما الخنزير » . قالا : إن لم يكن عيسى ولدا للّه ، فمن أبوه ؟ ! وخاصموه جميعا في عيسى ، عليه الصّلاة والسّلام ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألستم تعلمون : أنّ ربّنا حيّ لا يموت ، وأنّ عيسى يأتي عليه الموت ؟ ! » قالوا : بلى ! قال : « ألستم تعلمون : أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء ، يحفظه ، ويرزقه ؟ » قالوا : بلى ! قال : « فهل يملك عيسى شيئا من ذلك ؟ » . قالوا : لا ! قال : « ألستم تعلمون : أن اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ، ولا في السّماء ؟ ! » . قالوا : بلى ! قال : « فهل يعلم عيسى من ذلك إلّا ما علم ؟ ! » قالوا : لا ! . قال : « ألستم تعلمون : أن ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء ، وربّنا لا يأكل ، ولا يشرب ؟ ! » قالوا : بلى ! قال : « ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه ، كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثمّ غذّي ، كما يغذّى الصّبيّ ، ثمّ كان يطعم ، ويشرب ، ويحدث ؟ ! » قالوا : بلى ! قال : « فكيف يكون إلها ، كما زعمتم ؟ ! » . فسكتوا ، فأنزل اللّه صدر سورة ( آل عمران )